الجزء الثاني:

لم تكن السفينة مجرد ألواح خشبية ومجاذيف، بل كانت حياةً بأكملها. كانت شرايينها تنبض بضحكات بحارة بسطاء، رجالٌ عرفوا البحر صديقاً وعدواً، ورسموا على وجوههم خرائط الملح والشمس. عرفوا وجه الخضر، فتهللت أساريرهم. "العبد الصالح!"، هتفوا، وفتحوا لهم أحضان سفينتهم دون مقابل، إكرامًا لرجل رأوا فيه بركة السماء.

صعد الثلاثة على ظهر السفينة التي راحت تمخر عباب الماء بهدوء وسلام. جلس موسى يراقب الأفق، يستمع إلى حفيف الشراع وهو يغازل الريح، وإلى صوت الماء وهو يغني أغنيته الأزلية تحت بطن السفينة. كان كل شيء يوحي بالسكينة، لوحة طبيعية تبعث في النفس الطمأنينة. لكن عين الخضر كانت ترى ما هو أعمق من اللوحة، كانت تقرأ سطور القدر المكتوبة على وجه الماء.

فجأة، وبلا مقدمات، قام الخضر. تحرك بخطى ثابتة نحو قاع السفينة، والتقط فأسًا صغيرًا كان ملقى بجانب حبال المرساة. ثم، في حركة واحدة حاسمة، هوى به على أحد ألواح السفينة السليمة، فانتزع قطعة منها، وترك فجوة يتدفق منها الماء إلى الداخل محدثًا فزعًا مكتومًا.

شهق موسى. لم يصدق عينيه. كيف يمكن لهذا الفعل أن يصدر من رجل يفيض وجهه بالحكمة والنور؟ لقد كان الفعل غدرًا خالصًا في عين الشريعة، خيانةً لثقة هؤلاء المساكين الذين أكرموهم. غلت في صدره دماء النبوة، ونسي شرطه، ونسي وعده، فلم يعد يرى إلا الظلم بعينه.

"أخرقتها لتغرق أهلها؟!" صاح موسى، وصوته يمتزج بصوت الماء المتدفق. لم يكن سؤالاً بقدر ما كان اتهامًا. "لقد جئت شيئًا إمرًا!"... لقد أتيت بأمر عظيم المنكر، داهية لا يمكن السكوت عنها.



استدار الخضر ببطء، لم يكن على وجهه أي أثر للدهشة أو الغضب، بل نظرة هادئة تحمل عتابًا رقيقًا. لم يدافع عن فعله، ولم يبرره، بل ذكّر موسى بالميثاق الأول، باللحظة التي بدأت فيها هذه الصحبة.

"ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا؟"

سقطت الكلمات على قلب موسى كقطرات ماء بارد على جمر ملتهب. تذكر. أدرك أنه تعجل، وأنه حكم بالظاهر قبل أن يرى باطن الأمر. انحنى رأسه خجلاً، واعتذر بلسان الطالب النادم: "لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا".

قبِل الخضر اعتذاره الصادق، وعادت السكينة تظلل المشهد من جديد، لكن السؤال بقي معلقًا في الهواء، يتردد مع كل موجة تضرب جانب السفينة المعطوبة... أي حكمةٍ تختبئ خلف هذا الخرق؟

لم يلبثوا طويلاً حتى رست السفينة على شاطئ قريب، فنزلوا منها، بينما انشغل أهلها بإصلاح الضرر الذي لحق بها. انطلق موسى والخضر يسيران على اليابسة، تاركين وراءهما سفينة مثقوبة، وسؤالاً موجعًا، وبحرًا يحفظ من الأسرار أكثر مما يُظهر. وفيما هما يمشيان، لمحا مجموعة من الغلمان يلعبون في براءة وطهر، يركضون ويضحكون، وأصواتهم تملأ الفضاء حياةً وبهجة. وكان من بينهم غلامٌ وضيء الوجه، جميل الطلعة، كأنه قطعة من القمر... لم يكن موسى يعلم أن هذا الغلام سيكون هو المحطة الثانية في رحلة العجائب، والاختبار الأشد قسوة على صبره.

اضغط للانتقال الى الجزء الثالث