قصة الخضر وموسى عليهما السلام (مؤلفة من ٤ اجزاء ):
الجزء الأول:
عند مَجْمَعِ البحرين، حيث يلتقي العذْبُ بالمالح في عناق أبدي، وقف النبي موسى عليه السلام، متكئًا على عصاه، وعيناه تمسحان الأفق بحثًا عن علامة. لم يكن مجرد بحث عن رجل، بل كان سعيًا وراء علمٍ لم يُكتب في ألواحه، علمٍ لَدُنِّيٍّ يأتِ من مصدر الحكمة كلها. بجانبه، فتاه يوشع بن نون، يحمل بين كفيه سلة من خوص النخيل، وفي جوفها حوتٌ مملح، زادهما في رحلة الشوق والمعرفة.
"لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا"، تمتم موسى وقد أرهقه طول المسير. نظر إلى فتاه بعينين أثقلهما التعب، لكن قلبه كان لا يزال متقدًا بنار العزم. طلب منه أن يُحضر الغداء، ففي الجوع مَذَلّةٌ للنفس، وفي الطعام استعادةٌ للقوة.
وفي تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان. بينما كان يوشع يغسل الحوت على صخرة ملساء لامستها أمواج البحر، دبّت فيه الحياة. تحرك جسده اليابس، وانتفض من بين يدي الفتى المذهول، ثم اتخذ سبيله في البحر سربًا، كأنه لم يكن يومًا طعامًا مسافرين. شق الماء أمامه طريقًا، فانفلق له الماء كأنه طَوْدٌ عظيم، واختفى الحوت في الأعماق الزرقاء، تاركًا وراءه فجوة في الماء... وفجوة أكبر في ذاكرة يوشع، الذي أنساه الشيطانُ ما رأى.
استأنف موسى وفتاه المسير، لم يكن يعلم أن الموعد قد فاته عند تلك الصخرة. سارا يومًا وليلة، حتى جاوزا المكان الذي أُمر بلقاء العبد الصالح فيه. وعندما طلب موسى طعامه مرة أخرى، تذكر يوشع، فضرب كفًا بكف، وتغير لون وجهه. "أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة؟ فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره".
لم يغضب موسى، بل أشرق وجهه بنور الفهم. لقد كانت العلامة التي ينتظرها. "ذلك ما كنا نبغِ"، قالها بصوت يملؤه اليقين. فرجعا على آثارهما يقصّان الأثر، يتبعان خطاهما بدقة، كأنما يبحثان عن جوهرة مفقودة في رمال الشاطئ.
وعند الصخرة، وجداه. رجلٌ مسجى بثوبه، جالس بهدوء وسكينة، كأنه جزء من المكان. لم يكن ملكًا في حاشيته، ولا نبيًا يُوحى إليه بشريعة، بل عبدًا من عباد الله الصالحين، آتاه الله رحمة من عنده، وعلّمه من لدنه علمًا. إنه الخَضِر، الذي اخضرّت الأرض تحت قدميه.
ألقى موسى عليه السلام، تحية الأنبياء. فرد الرجل السلام، وكشف عن وجهه الذي يشع نورًا هادئًا. "وأنّى بأرضك السلام؟" سأل الخضر، مستغربًا وجود مثل هذه التحية في تلك الأرض.
"أنا موسى".
"موسى بني إسرائيل؟"
"نعم".
جاء موسى طالبًا، متواضعًا، رغم مكانته العظيمة. "هل أتبعك على أن تُعَلِّمَنِ مما عُلِّمْتَ رُشْدًا؟".
نظر إليه الخضر نظرة فاحصة، نظرة من يرى ببصيرة لا ببصر. "إنك لن تستطيع معي صبرًا. وكيف تصبر على ما لم تُحِطْ به خُبْرًا؟". كان شرطًا صعبًا، وتحذيرًا واضحًا. علم الخضر ليس كعلم موسى، فهو لا يسير على منطق الأسباب الظاهرة، بل يغوص في بحر حكمة الغيب.
لكن موسى، كليم الله، كان عازمًا. "ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا".
عندها، وضع الخضر شرطه الأخير، الميثاق الذي سيحكم هذه الصحبة العجيبة: "فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أُحْدِثَ لك منه ذكرًا".
وهكذا بدأت الرحلة... رحلةٌ سيكتشف فيها نبي الصبر أن الصبر أحيانًا يكون أصعب امتحان. انطلقا يمشيان على ساحل البحر، موسى وفتاه والخضر. ثلاثة رجال، أحدهم يحمل شريعة السماء، والثاني يحمل أسرار الغيب، والثالث شاهد على لقاء العالمين. لم يمضِ وقت طويل حتى مرت بهم سفينة... سفينةٌ كانت أول فصول القصة، وأول اختبار لصبر موسى.
اضغط للانتقال الى الجزء الثاني

