الجزء الثالثة:
انفصل الخضر عن موسى، واتجه بخطى وئيدة نحو الغلمان. لم تكن في خطواته عجلة، ولا في عينيه ما ينذر بشر. كان يمشي كأبٍ حنون يقترب من أبنائه. مرّ بين الأطفال، ونسائم البحر تداعب ثيابه، حتى وقف أمام ذلك الغلام الذي يشبه القمر في ليلة تمامه.
توقع موسى أن يداعبه، أن يمسح على رأسه، أو ربما يناوله تمرة من زاده. لكن ما حدث بعدها جمد الدم في عروق كليم الله. في حركة خاطفة، لم يستطع عقل موسى أن يستوعبها، انحنى الخضر، وأمسك برأس الغلام، واقتلع روحه من جسده الطاهر. سقط الصبي على الرمال بلا حراك، وانطفأ النور من عينيه، وسكنت ضحكاته إلى الأبد.
صمت الكون للحظة. تبعثر الأطفال الآخرون وهم يصرخون رعباً، وارتسمت على وجه موسى كل علامات الذهول والفزع والغضب المقدس. هذه المرة، لم يكن الأمر مجرد خرق سفينة، بل كان إزهاق نفس زكية، جريمة تهتز لها السماوات والأرض. لقد كسر الخضر إحدى أعظم وصايا شريعته. لم يعد للعهد مكان، ولا للصبر بقية.
اندفع موسى نحو الخضر، وصوته يرتعد من هول ما رأى: "أقتلت نفسًا زكية بغير نفس؟!" لم تكن كلماته تحمل عتابًا، بل كانت تحمل زلزالاً من الاستنكار. "لقد جئت شيئًا نكرًا!". لقد أتيت بأمرٍ أشد فظاعة من الأول، منكرًا لا يمكن للعقل أن يتصوره ولا للشريعة أن تقبله.
التفت إليه الخضر، وعلى وجهه ذات السكينة التي لم تفارقه، سكينةٌ بدت لموسى في تلك اللحظة باردة كبرودة الموت. لم يبرر، ولم يدافع، بل أعاد على مسامعه الصدى الحزين لشرطهما الأول، مذكراً إياه مرة أخرى بعجزه عن حمل ثقل الحكمة الخفية.
"ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا؟"
هذه المرة، شعر موسى بالكلمات تخترق روحه. لقد كان على حق. كيف يمكنه أن يصبر وهو يرى البراءة تُذبح أمامه؟ كيف له أن يسكت ومنهجه قائم على العدل الظاهر والقصاص الحق؟ أدرك موسى أنه يقف على حافة الفراق، وأن صبر معلّمه قد بدأ ينفد. فتشبث بالفرصة الأخيرة، بآخر خيط في هذه الصحبة المباركة.
قال بصوت خفيض، يمازجه الإقرار بالخطأ ورجاء العفو الأخير: "إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني... قد بلغت من لدني عذرًا". لقد وضع موسى بنفسه نهاية الطريق. سؤال آخر، وسيفترق الدربان، ويعود كل منهما إلى عالمه.
صمت الخضر، وكان صمته قبولاً لهذا الإنذار الأخير. ثم استأنفا المسير. سارا جنبًا إلى جنب، لكن هوة عظيمة من الصمت والترقب باتت تفصل بينهما. لم يعد موسى يمشي بجوار رجل حكيم، بل بجوار لغزٍ حي، لغزٌ يخرق السفن ويقتل الأطفال، ويدّعي أن خلف أفعاله حكمة إلهية.
سارا حتى أدركهما التعب والجوع، فدخلا قرية كانت تبدو من بعيد عامرة بأهلها. كانت بيوتها متراصة، وشوارعها تنبض بالحياة. استطعما أهلها، طلبا منهم ما يسد رمقهما من طعام أو شراب، كعادة المسافرين والغرباء. لكنهما قوبلا بما لم يتوقعاه... قوبلا بأسوأ ما في النفس البشرية من بخل ولؤم. أغلق أهل القرية أبوابهم في وجهيهما، ورفضوا أن يضيفوهما، فباتا جائعين منبوذين.
وبينما هما يغادران القرية، وقلب موسى يغلي غيظًا من سوء أهلها، توقف الخضر فجأة أمام جدار يكاد أن ينقض. كان جدارًا مائلاً، متصدعًا، آيلاً للسقوط في أي لحظة. نظر إليه الخضر، ثم وبدون أن يطلب مساعدة أحد، شمر عن ساعديه، وشرع في إصلاحه. كان يخلط الطين، ويثبت الحجارة، ويعيد بناء الجدار بيديه، كأنه عامل بناء ماهر. وموسى يراقبه، وعقله يكاد ينفجر من التناقضات.
قومٌ يرفضون إطعامهم، يقابلهم هذا الرجل بإصلاح جدارهم مجانًا!
أتم الخضر عمله، فوقف الجدار مستقيمًا، صلبًا، كأنه بني للتو. هنا، لم يستطع موسى أن يكتم ما في صدره، لكنه تذكر شرطه الأخير، فكان سؤاله هذه المرة يحمل طابع المعاملة لا الإنكار. قال بهدوء: "لو شئت لاتخذت عليه أجرًا". على الأقل، لنأخذ أجرة عملنا لنشتري بها طعامًا من هؤلاء البخلاء.
كان هذا هو السؤال الثالث... كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر الصبر.
التفت الخضر إلى موسى، وفي عينيه نظرة تحمل حزن الفراق وحلاوة الكشف. "هذا فراق بيني وبينك... سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا".
لقد حان وقت رفع الستار.
اضغط للانتقال الى الجزء الرابع

