الجزء الرابع والاخير:

وقف الزمن للحظة، وبدا لموسى أن أمواج البحر قد توقفت عن حركتها، وأن الريح قد حبست أنفاسها، انتظارًا لهذا الكشف العظيم. تكلم الخضر، ولم يكن صوته مجرد حروف، بل كان ينساب كنهر من الحكمة يصب مباشرة في روح موسى العطشى.

"أمّا السفينة..." بدأ الخضر، وعاد المشهد الأول يرتسم بوضوح في ذهن موسى: صوت الفأس، وتدفق الماء، وصدمة البحارة المساكين. "...فكانت لمساكين يعملون في البحر، أناسٌ لا يملكون من الدنيا سواها، هي قوتهم وقوت عيالهم. فأردتُ أن أعيبها، أن أضع فيها هذا الخرق الظاهر...".

صمت الخضر للحظة، وترك الكلمات تترسخ. ثم كشف عن الغيب الذي كان مستورًا خلف الأفق.

"...وكان وراءهم ملكٌ ظالم، يقف بجيشه على الساحل التالي، يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا. يترك أهلها على الشاطئ مقهورين لا يملكون شيئًا. فلو مرت سفينتهم عليه سليمة لأخذها، وضاع رزقهم إلى الأبد. أما الآن، حين يراها معيبة، فسيزهد فيها ويتركها لهم. كان خرقي لها هو سبب نجاتها، وكان فعلي الذي رأيته إفسادًا، هو في باطن الأمر عين الصلاح لهم".

انشقّ في قلب موسى فجرٌ من الفهم. أدرك أن ما حسبه عدوانًا كان في حقيقته حماية، وأن الضرر الصغير كان فداءً من مصيبة عظيمة. لقد رأى بعين الشريعة جريمة، بينما كانت عين الحقيقة ترى رحمة بالغة.

ثم انتقل الخضر إلى المشهد الذي زلزل كيان موسى، إلى الجرح الذي لم يندمل بعد.

"وأمّا الغلام..." قالها بصوت خفيض عميق، كأنه يغوص في بئر من الأسرار. "...فكان أبواه مؤمنين. رجل وامرأة من الصالحين، يحبان ولدهما حبًا يملأ عليهما حياتهما. ولكنه طُبع على الكفر والطغيان. وقد علم الله أنه لو عاش، لأرهقهما طغيانًا وكفرًا. لجرّهما حبهما له إلى اتباعه، فيفسد عليهما دينهما ودنياهما، ويوردهما معه نار جهنم. كان حبهما له سيكون سبب هلاكهما".

تنفّس الخضر بعمق، كأنه يرفع عن صدره ثقل هذا السر.

"فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاةً وأقربَ رُحْمًا. أردنا أن نقتلع هذا الشوك من حديقتهما قبل أن يدمي أيديهما، وأن يرزقهما الله بدلاً منه ذرية صالحة، تكون لهما قرة عين في الدنيا، وذخرًا في الآخرة".

هنا، بكى موسى. لم يبكِ على الغلام، بل بكى على محدودية علمه، وعلى قسوة الظاهر التي تخفي وراءها ألطاف الله الخفية. لقد كان القتل الذي رآه جريمة، هو في علم الغيب إنقاذٌ لروحين مؤمنتين من فتنة ماحقة، وبشارة بميلاد جديد أكثر طهرًا وبركة. لم يكن موتًا، بل كان استبدالاً للألم بالأمل.

وأخيرًا، وصل الخضر إلى الحادثة الثالثة، لغز الجدار في قرية البخلاء.

"وأمّا الجدار... فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنزٌ لهما...". رسم الخضر بكلماته صورة أبٍ صالحٍ رحل عن الدنيا، ولكنه لم يرحل عن رحمة الله. "...وكان أبوهما صالحًا، فمن صلاح هذا الأب، حفظ الله له كنز ولديه من بعده. فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمةً من ربك. لو سقط الجدار اليوم، لكشف الكنز، ولنهبه أهل هذه القرية اللئام، وضاع حق اليتيمين. فكانت إقامتي له سدًا منيعًا يحفظ لهما رزقهما حتى يشتد عودهما ويقويا على حمايته".

نظر موسى إلى الجدار الذي بناه الخضر، فلم يعد يراه حجارة وطينًا، بل رآه جدارًا من رحمة الله، يمتد عبر الزمن ليحفظ أمانة أبٍ صالح لولديه الصغيرين. لقد كان عملاً بلا أجر في أعين الناس، ولكنه كان بأعظم أجر عند رب الناس.



اكتملت الصورة. اتضحت الحكمة. كل فعل كان غامضًا أصبح الآن واضحًا كالشمس. كل سؤال كان يحترق في صدر موسى وجد جوابه الشافي.

نظر الخضر في عيني موسى نظرة أخيرة، نظرة المعلم الذي أدى رسالته، وقال كلمته الختامية التي تلخص كل شيء:

"وما فعلته عن أمري... إن هو إلا وحيٌ من الله وأمر. ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرًا".

عندها أدرك موسى أنه لم يكن يسير مع رجل، بل كان يسير مع قدر الله المتحرك على الأرض. تعلم أن ميزان الله يختلف عن ميزان البشر، وأن وراء كل محنة منحة، وخلف كل منعٍ عطاء، وأن عين الإنسان قاصرة عن إدراك حكمته الكاملة.

افترقا عند شاطئ البحر. مضى الخضر في طريقه، واختفى كما ظهر أول مرة، كأنه حلمٌ مر في صحوة نبي. ووقف موسى وحده، ينظر إلى البحر الذي جمع بينهما وفرّق بينهما، وقد عاد إلى قومه ليس فقط بألواح الشريعة، بل بقلبٍ ذاق حلاوة المعرفة، وفهم معنى الصبر، ورأى بعين اليقين كيف أن رحمة الله تحيط بكل شيء، حتى في خرق سفينة، وموت غلام، وبناء جدار.