دعنا نغلق أعيننا عن كل ما نعرفه. لنسدل ستائر التاريخ المكتوب، ونسمح للروح بأن تسافر حرة إلى زمن الأساطير والملوك، إلى أرض اليمن التي كانت تئن تحت وطأة غراب أسود... غراب الحبشة.

​أرى أرضاً... ليست كأي أرض. جبالها شامخة كأنها تحرس أسرار السماء، ووديانها خضراء كأنها قطع من الجنة. أرى قصوراً شيدتها حضارة عظيمة، قصر غمدان الذي تناطح قبابه السحاب... لكنني أرى أيضاً ظلاً ثقيلاً يخيم على كل هذا الجمال. أرى وجوهاً عربية أصيلة قد كساها القهر، وأسواطاً أجنبية تلهب ظهور الأحرار. اليمن... مملكة سبأ وحمير، لم تعد لأهلها.

​في قلب هذا الظلام، ألمح شرارة... بصيص أمل في عيني فتى يشب عن الطوق. إنه معد يكرب، الذي سيُعرف فيما بعد بـ "سيف بن ذي يزن". أراه ينظر إلى أفق صنعاء، وعيناه لا ترى الحاضر المظلم، بل تستشرف فجراً قادماً يولد من رحم المعاناة. أشعر بقلبه وهو يتمزق ألماً على شعبه، وأسمع صوتاً في أعماقه يهمس: "إلى متى؟".

​كبر الفتى، وكبر معه حلمه بتحرير وطنه. أراه الآن رجلاً قد اكتملت فيه كل صفات القيادة: حكمة الشيوخ في عينيه، وشجاعة الأسود في قلبه. لكن السيف وحده لا يكفي لهزيمة جيش جرار. لا بد من قوة تساند الحق.

​أتبعه في رحلته المستحيلة... رحلة البحث عن حليف. أراه يعبر الصحاري والبحار، ووجهته الأولى نحو الشمال، نحو قيصر الروم في أنطاكيا. أراه واقفاً في بلاط بيزنطة الفخم، يتحدث بلغة الكبرياء التي لم تكسرها قيود الاحتلال. يطلب العون، لا كمتسول، بل كملك يطلب استرداد ملكه. لكنني أرى عيني القيصر الباردتين، أراه يرفض... فالأحباش نصارى مثلهم، والسياسة لا تعرف إلا لغة المصالح.

​هل انتهى الحلم؟ هل خبا ذلك البصيص؟ لا... أرى سيفاً يزداد إصراراً. يتجه شرقاً هذه المرة، نحو بلاد فارس، نحو إيوان كسرى. رحلة أطول وأشد خطراً. أراه واقفاً مرة أخرى في بلاط ملكي، لكنه هذه المرة أكثر مهابة. إيوان كسرى يضج بالقوة والجبروت.

​يقف سيف أمام كسرى، ويروي له قصة اليمن السليب. يتحدث عن أمة عربية عريقة، وعن ظلم الأحباش. لا يطلب جيشاً جراراً، بل يطلب فرصة، يطلب سيفاً يضرب به في قلب الظلم. أرى التردد في عيني كسرى... فاليمن بعيدة، قليلة الخيرات في نظره. يعطيه مالاً ويأمره بالانصراف.

​أكاد أشعر باليأس يخترقني وأنا أرى هذا المشهد. لكن ما هذا الذي يفعله سيف؟ وهو يخرج من القصر، أراه ينثر كل الذهب والفضة على الأرض! يتركه لعبيد القصر وجواريه! يستدعيه كسرى مندهشاً من فعله. يسأله: "ما حملك على ما صنعت؟" فيجيبه سيف بجملة تهز أركان الإيوان: "وما أصنع بالمال وجبال بلادي من ذهب وفضة؟ إنما أتيتك لتنصرني على عدوي."

​هنا، في هذه اللحظة، أرى الإعجاب يلمع في عيني كسرى. يرى أمامه ملكاً حقيقياً، لا طامعاً في مال. لكنه لا يزال متردداً. فيقترح عليه أحد مستشاريه فكرة شيطانية: أن يرسل معه السجناء المحكوم عليهم بالقتل، فإن انتصروا فقد أصبحت اليمن تابعة لفارس، وإن هُزموا فقد تخلص منهم.

​يوافق كسرى، ويجهز ثماني سفن تحمل 800 سجين، بقيادة قائد فارسي محنك اسمه "وهرز". أرى السفن تمخر عباب البحر... أرى الأمل يعود ليشتعل في قلب سيف. لكن البحر غدار... تغرق سفينتان بمن فيهما. تصل ست سفن فقط إلى ساحل حضرموت.

​والآن، أقف على شاطئ اليمن. أرى سيف بن ذي يزن يقف أمام 600 رجل من بقايا السجناء. ماذا يفعل؟ يا له من قرار! يأمر بإحراق السفن الست! يحرق خط الرجعة! ثم يخطب فيهم قائلاً: "أيها الناس، البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، فليس لكم والله إلا الصدق والصبر". لقد حوّل السجناء إلى أبطال لا خيار أمامهم إلا النصر أو الموت.

​أرى جيش الأحباش الجرار بقيادة ملكهم "مسروق بن أبرهة"، يتقدمون بغرور وثقة. يضع مسروق على رأسه تاجاً مرصعاً بالياقوت، ويتوسط جيشه على فيل ضخم. المعركة تبدو خاسرة... 600 رجل في مواجهة آلاف.

​لكنني أرى "وهرز"، القائد الفارسي العجوز، يتقدم. يشد قوسه بقوة لا تليق بسنه. يهمس لمن حوله: "أروني ملكهم". يشيرون إلى مسروق. يطلق سهماً واحداً... سهماً واحداً فقط. أرى السهم يخترق الهواء، ويستقر في جبهة مسروق بين عينيه. يسقط الملك من على فيله صريعاً... يسقط التاج... وتسقط معه معنويات جيش بأكمله.

​أرى الفوضى تدب في صفوف الأحباش. أرى اليمنيين الذين انضموا لسيف ورجاله ينقضون عليهم كالأسود الجائعة. إنها ليست معركة، بل ملحمة... ملحمة تحرير الأرض والعرض.

​ها أنا ذا في صنعاء مرة أخرى. لكن الظل قد انقشع. عادت الشمس لتشرق على قصر غمدان. أرى سيف بن ذي يزن يجلس على عرش أجداده، والوفود العربية تأتي من كل حدب وصوب لتهنئه.

​ألمح في أحد الوفود رجلاً مهيباً، له هالة من نور ووقار... إنه عبد المطلب بن هاشم، جد الرسول القادم. أسمع الحوار الذي يدور بين الملك والشيخ الجليل. أسمع سيفاً، بعلمه الموروث من الكتب القديمة، يبشر عبد المطلب بميلاد حفيد له، سيكون نبياً آخر الزمان، وستكون له الغلبة.

​يا الله! إنها ليست قصة نصر عسكري فحسب، بل هي حلقة في سلسلة النور التي ستمتد لتضيء العالم كله.

​لكن القدر ينسج خيوطه الأخيرة بلمسة من تراجيديا. أرى سيفاً، في قمة مجده، يقع ضحية غدر. يقتله الأحباش الذين أبقاهم لخدمته، كأن التاريخ يريد أن يعلمنا أن الثقة الكاملة في العدو القديم قد تكون قاتلة.

​أغلق صفحات هذه السيرة، لكن صورة سيف بن ذي يزن لا تفارق خيالي. ذلك الأمير الذي حمل جرح وطنه وسافر به عبر العالم، الذي حوّل اليأس إلى أمل، والسجناء إلى محررين، والذي لم يحرر أرض اليمن فحسب، بل بشّر بفجر جديد للأمة كلها. قصة رجل أصبح سيفاً، فضرب به الظلم، وأعاد لليمن مجدها التليد.

لقراءة القصة من كتاب مصور . تفضل خلال الرابط :

سيف ذي يزن و تحرير اليمن