وكأننا نقرأ هذه الحادثة العظيمة للمرة الأولى. دعنا نترك كل ما نعرفه جانباً، ونسافر عبر الزمن إلى تلك الصحراء القاحلة.
ها أنا ذا أفتح صفحات السيرة، وتقع عيني على مشهد يلفه وهج الشمس وحرارة الرمال.
الصحراء... يا لها من لوحة صامتة ومُهيبة. لا شيء فيها إلا سماءٌ زرقاء صافية كأنها زجاج مصهور، وأرضٌ ذهبية تمتد إلى ما لا نهاية. الهواء نفسه يرتجف من شدة الحر، كأن أنفاس الأرض تتصاعد لاهثة. في هذا الفضاء الشاسع، أرى نقطتين تتحركان ببطء... رجلان، أثقلهما التعب وأضناهما المسير. أحدهما هو الصادق الأمين، الذي خرج من أحب البقاع إلى قلبه مُطارداً، والآخر هو رفيقه الأبدي، الصدّيق.
أرى العطش قد حفر خطوطه على شفتيهما، والجوع قد أخذ من قوتهما. تبحث أعينهما عن أي أثر للحياة، عن قطرة ماء، عن ظل شجرة... وفجأة، تلوح في الأفق خيمة. يا للرحمة! خيمة من وبر، تقف وحيدةً شامخةً في وجه هذه القسوة، كأنها قلب ينبض في جسد الصحراء الهامد.
يقتربان منها بخطى متثاقلة، ويخرجان على امرأة تجلس بفناء الخيمة، تبدو عليها علامات الأصالة والكرم البدوي، رغم شح الحال الذي يظهر على كل ما حولها. إنها أم معبد. يلقيان عليها السلام، فتنهض لترد بأحسن منه، مرحبة بالضيفين في أرض الجود وإن لم يكن فيها ما يُجاد به.
يسألانها بصوتٍ أنهكه الظمأ: "هل من لبن أو طعام؟"
أشعر بخيبة الأمل في نظرتها وهي تجيب بصدق وأسف: "والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القِرى". السنة شهباء، الأرض جدباء، والشاة هزيلة لا تملك قطرة لبن.
عيناي تتبعان نظرة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تقعان على اليأس، بل على رحمة وهدوء عجيبين. تقع عيناه على شاةٍ هزيلة، نحيلة، قد خلفها الجهد عن القطيع، تقف في ناحية من الخيمة لا تكاد تقوى على الحركة. يسأل بهدوئه المعهود الذي يبعث الطمأنينة: "يا أم معبد، هل بها من لبن؟"
أكاد أسمع صوت أم معبد المتعجب، الممتزج بالواقعية القاسية: "هي أجهدُ من ذلك! إنها خلفها الجهد عن الغنم".
هنا، في هذه اللحظة، يتوقف الزمن. المشهد الذي أقرأه الآن ليس مجرد كلمات، بل هو صورة حية تتشكل أمامي. أرى النبي صلى الله عليه وسلم يتقدم نحو الشاة، ويطلب الإذن ليمسح عليها. تسمح له وهي لا تتوقع شيئاً.
أراه يضع يده المباركة على ضرعها اليابس، ويُغمض عينيه، وتتحرك شفتاه بكلمات لا أكاد أسمعها... "بسم الله".
ما هذا الذي أراه؟ يا لعظمة المشهد! الضرع الذي كان جافاً كصخر الصحراء، يبدأ بالانتفاخ والامتلاء أمام عيني أم معبد المذهولتين. يمتلئ بالحياة، بالحليب، بالبركة. يدعو بإناءٍ "يُربض الرهط" (أي يشبع الجماعة)، ثم يبدأ بالحلب.
الصوت... صوت خيوط اللبن البيضاء وهي تتدفق بقوة ونقاء، تضرب في قاع الإناء، كأنها لحن سماوي في صمت الصحراء المطبق. رائحة اللبن الطازج تفوح في الهواء الحار، ممزوجة برائحة البركة التي حلت على المكان.
أرى الرغوة تتكون وتطفو... بيضاء كالنور. يملأ الإناء حتى يفيض.
ثم يناوله أولاً لأم معبد. تشرب حتى ترتوي وهي لا تكاد تصدق ما تراه. ثم يسقي أصحابه، فيشربون حتى يرتووا. ثم يشرب هو آخرهم، صلى الله عليه وسلم، ويقول: "ساقي القوم آخرهم شرباً".
لم ينتهِ الأمر هنا! يحلب مرة أخرى في الإناء حتى يمتلئ، ويتركه عندها دليلاً مادياً على معجزة مرّت من هنا، ثم يغادران وقد تركا في الخيمة الصغيرة بركة وخيراً يفيض.
أقلب الصفحة بلهفة...
يعود زوجها أبو معبد يسوق أعنُزاً عجافاً هزيلة. يرى اللبن، فيصيبه العجب! "من أين لك هذا يا أم معبد، والشاة عازب حائل، ولا حلوب في البيت؟!"
وهنا، يأتي الجزء الذي تتوقف عنده الأنفاس. لسان أم معبد يصف المشهد الذي رأته، ويرسم بالكلمات أدق صورة عرفتها البشرية للحبيب المصطفى. كأنني أسمع صوتها الصادق المبهور وهو يقول:
"والله، لقد مر بنا رجل مبارك، كان من حديثه كذا وكذا..."
يسألها زوجها بلهفة: "صفيه لي يا أم معبد!"
فتبدأ بالوصف، وأنا أقرأ وأتخيل...
"رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثُجْلة (ضخامة البطن) ولم تُزْرِ به صَعْلة (صغر الرأس).
وسيمٌ قسيم، في عينيه دعج (شدة سواد العين)، وفي أشفاره وَطَف (طول شعر الأجفان)، وفي صوته صَحَل (بحة يسيرة محبوبة).
أَحْوَرُ، أَكْحَلُ، أَزَجُّ، أَقْرَنُ (حاجباه طويلان رقيقان متصلان).
شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإذا تكلم علاه البهاء وسما.
أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب.
حلو المنطق، فصلٌ، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظمٍ يتحدرن.
لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر. غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً.
له رفقاء يحفّون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره. محفودٌ محشودٌ، لا عابسٌ ولا مُفَنَّد (لا يُلام على شيء)."
أتوقف عن القراءة للحظة... يا الله! أي وصف هذا! إنها لا تصف رجلاً، بل تصف قمراً يمشي على الأرض، تصف الكمال البشري في أبهى صوره. كل كلمة ترسم جزءاً من ملامحه الشريفة، من هيبته، من جمال حديثه، ومن محبة أصحابه له.
أرى أبا معبد وهو يسمع هذا الوصف، فتلمع عيناه ببريق اليقين ويصرخ:
"هذا والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر بمكة! لقد هممتُ أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً".
أُغلق الكتاب، لكن الصورة لا تفارق خيالي. تلك الخيمة الصغيرة في قلب الصحراء لم تعد مجرد خيمة، بل أصبحت شاهداً على معجزة، ومحراباً لأعظم وصفٍ قيل في أشرف الخلق. وأدركت للتو أن هذه القصة ليست مجرد حدث في رحلة الهجرة، بل هي تجسيد للرحمة والبركة التي حلت على الأرض بمجرد أن وطأتها قدماه الشريفتان. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
.png)