في قريةٍ نائيةٍ تُدعى "صخرة اليقين"، كان كل شيء ثابتًا كاسمها. جدران البيوت الطينية، وعقائد أهلها، وحتى ظل شجرة التين العجوز في وسط الساحة، لم يتغير موضعه قيد أنملة في ذاكرتهم. كانوا يخشون الجديد خشيتهم من العاصفة، ويرون في كل فكرة غريبة نذير شؤم.

في أحد الأيام، وصل إليهم رجلٌ غامض اسمه "نائل". لم يأتِ بتاجٍ ولا صولجان، بل بعباءةٍ بسيطة وعينين تحملان بريقًا يشبه صفحة الماء في ليلةٍ مقمرة. كان يجلس تحت شجرة التين، لا يفرض نفسه على أحد، لكن كلماته كانت تنساب منه كجدول ماءٍ هادئ.

تحدث نائل عن طرقٍ جديدة لريّ الأرض، عن الاستماع إلى همس الريح لمعرفة أوان البذر، وعن أن قوة المجتمع ليست في تشابه أفراده، بل في تكامل اختلافاتهم. كان يتحدث بمنطقٍ بسيط وواضح، كأنه يصف لون السماء.

لكن أهل القرية، وعلى رأسهم "برهان"، كبيرهم وحارس تقاليدهم، لم تكن عقولهم قادرة على استيعاب ذلك. كانوا كالمرضى الذين يجدون طعم الماء العذب مرّاً في أفواههم بسبب حمّى أجسادهم.

"هذا الرجل يهذي!" قال برهان في تجمع حاشد. "أجدادنا حرثوا هذه الأرض وسقوها بأساليب لم تتغير منذ قرون، فهل يأتي غريبٌ اليوم ليعلمنا ما نجهل؟"

ضحك القوم، وارتفعت أصواتهم بالاستهزاء. كانوا يمرون بجانب نائل، يرمقونه بنظرات الشك، ويهمسون: "كلماته جوفاء... لا معنى لها". كان نائل يسمعهم، فيهز رأسه بأسى هادئ، ويتمتم لنفسه: "ما ذنب الماء إن لم تستطبه الأفواه المريضة؟"

مرّت الفصول، وحلّ بالقرية جفافٌ لم تشهد مثله من قبل. تشققت الأرض كوجه شيخٍ هرم، ويبست المحاصيل في الحقول، وبدأ القلق ينهش قلوب الجميع. صلّوا، وقدموا القرابين، ونفّذوا كل طقوسهم الموروثة، لكن السماء ظلّت صامتة، والأرض ظلت قاحلة.

في خضم اليأس، تذكرت فتاة شابة اسمها "سليمة" كلمات نائل عن "نباتات الصبر" التي تنمو في الظل وتخزن الماء في جذورها. كانت كلماته وقتها تبدو كشعرٍ غريب، لكنها الآن بدت كطوق نجاة. تسللت خفيةً إلى نائل وسألته.

لم يعاتبها، ولم يذكرها بسخريتهم. بل أخذها بهدوء إلى سفوح التلال القريبة، وأراها تلك النباتات التي لطالما اعتبروها مجرد أعشاب ضارة. علمها كيف تستخرج من جذورها ماءً صافيًا، وكيف أن أوراقها غذاءٌ وإن كان مرّاً.

عادت سليمة إلى أهلها بجرّةٍ مليئةٍ بالماء وبضع أوراق خضراء. في البداية، رفضوا. لكن صراخ الأطفال من العطش كان أقوى من عنادهم. شربوا على مضض، وأكلوا باشمئزاز. لكن الماء روى ظمأهم، والأوراق أطفأت جوعهم.

شيئًا فشيئًا، بدأ البعض يتسلل إلى نائل، يسألونه في خجل. كان يعلّم هذا عن بئرٍ مهجورةٍ ماؤها أعمق من أن يجف، ويدلّ ذاك على صخورٍ تحفظ ندى الفجر، ويشرح لآخرين كيف أن بناء مصداتٍ بسيطة للريح يحفظ للتربة رطوبتها. كل فكرةٍ قدمها لهم من قبل ولم يفهموها، أصبحت الآن حقيقة ملموسة، وسبيلًا للنجاة.

عندما بدأت القرية تتعافى ببطء، وقف برهان أمام نائل في الساحة العامة، وقد اجتمع الناس من حولهما. لم يعد في عينيه استعلاء، بل حيرة وارتباك. قال بصوت خفيض: "كلماتك... كانت صحيحة طوال الوقت. لكن... لماذا لم نفهمها؟ لماذا بدت لنا كالهذيان؟"

نظر نائل إلى الوجوه التي كانت تتجنبه والآن تنظر إليه بأمل. ابتسم ابتسامة لم تكن تحمل نصرًا، بل تفهمًا عميقًا، وقال بهدوئه المعتاد:

"ما ذنب الماء إن لم تستطبه أجسادٌ أنهكتها الحمّى؟ كان الماء عذبًا دائمًا، لكن المرض فيكم هو ما غيّر طعمه. وما ذنب كلمتي إن لم يستوعبها عقلٌ أغلق على نفسه الأبواب خوفًا من النور؟ كانت الحقيقة واضحة دائمًا، لكن غبار اليقين القديم حجب عنكم الرؤية".

ساد صمتٌ مهيب. في تلك اللحظة، لم يفهم أهل القرية مجرد طريقة جديدة للزراعة أو البحث عن الماء، بل أدركوا درسًا أعمق: أن العقول المريضة بالخوف والجمود، لن تتذوق أبدًا حلاوة الحقيقة، وإن كانت بين يديها.

لقراءة القصة في كتاب مصور، خلال هذا الرابط:

  تقليب صفحات الكتاب المصور