في قريةٍ وادعة، عند أطراف الصحراء، عاش شابٌ يُدعى "حارث". لم يكن حارث يملك مالاً وفيراً ولا نسباً عريضاً، لكنه امتلك كنزاً أغلى: صمتاً حكيماً. كان قليل الكلام، وإذا نطق، خرجت كلماته موزونةً كحبات اللؤلؤ، تحمل في طياتها خيراً أو علماً نافعاً. عرفه أهل القرية بوقاره، وكان مجلسه في ظل المسجد بعد صلاة العصر، مجلس سكينةٍ وتفكّر.

وذات يوم، قدم إلى القرية رجلٌ اسمه "نشوان"، تاجرٌ جوّالٌ لسانه يسبق خطاه. كان نشوان رجلاً ظريفاً، يملك من القصص والحكايات ما يملأ أسواق بغداد وبصرى. سرعان ما تحلّق الناس حوله، مفتونين بأخباره عن المدن البعيدة وأسرار القوافل وخفايا القصور. أصبح مجلسه هو المقصد، وضجّت القرية بكلامٍ لم تعهده من قبل.

لاحظ حارث أن الكلام الذي حمله نشوان معه بدأ يتسلل إلى كل شيء. في البداية كان حديثاً عن الأسفار والعجائب، ثم تحوّل إلى همسٍ عن فلان وعلان، ثم إلى تحليلٍ لشؤون البيوت التي لم تُفتح أبوابها إلا للخير. رأى حارث كيف أن وقتاً كان يُقضى في ذكر الله أو إصلاح شأن، أصبح يُهدر في تتبع أخبارٍ لا تسمن ولا تغني من جوع.

كان حارث يرى الداء يتفشى، لكنه تذكر قول السلف: "الكلام كالدواء، إن أخذ بقدره نفع، وإن زاد عن حده أضر". فآثر الصمت، مراقباً بحذر.

جاء يومٌ كان فيه "أبو أيوب"، شيخ القرية وحكيمها، طريح الفراش. مرِض الشيخ مرضاً شديداً، فأغلق بابه على نفسه، ولم يعد يخرج إلا للصلاة المكتوبة بصعوبة. جلس نشوان في السوق وقال بصوتٍ عالٍ سمعه الجميع: "يا أهل القرية، أما ترون ما حلّ بشيخكم؟ لقد رأيتُ طبيباً في سفرتي الأخيرة، ووصف لي نفس هذه الأعراض، وقال إنها لمرضٍ لا شفاء منه، وإن صاحبه لا يعيش أكثر من أربعين يوماً!".

سرى الخبر في القرية سريان النار في الهشيم. كلّما مرّ يوم، زاد الناس يقيناً بكلام نشوان. بدأت العيون ترمق بيت الشيخ بنظرات الشفقة والانتظار. وبدأ البعض يتحدث همساً عمن سيخلف الشيخ في إمامة المسجد، ومن سيرعى بستانه الذي لا وريث له سواه. تحوّل فضول الكلام إلى سوء ظنٍ وقسوة قلب.

وصل الخبر إلى الشيخ المريض، فزاد مرضه هماً وغماً. كيف يظن به إخوانه هكذا؟ كيف يستعجلون أجله وهم لم يسمعوا منه كلمة؟

وفي اليوم التاسع والثلاثين، بينما كان نشوان يروي للناس كيف ستُقسم أملاك الشيخ، خرج حارث من صمته. وقف في وسط السوق، ولم يصرخ، بل قال بكلماتٍ هادئة وقوية: "إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)". ثم استدار ومضى نحو بيت الشيخ أبي أيوب وطرق بابه.

لحقه أهل القرية، ووقفوا من بعيد يراقبون. خرج حارث بعد قليل، وقال لهم: "إن شيخكم يقرئكم السلام، ويخبركم أن ما أصابه كان وعكةً بسيطة، وقد عافاه الله منها بفضل دعائكم. وهو يدعوكم غداً لوليمة شكرٍ لله في بستانه".

عندها، أدرك الناس حجم الخطيئة التي أوقعهم فيها فضول الكلام. نظروا إلى نشوان، الذي بهت وجهه واختبأ خلف بضاعته، فلم يجد لسانه الذي كان فصيحاً كلمةً واحدة يدافع بها عن نفسه. لقد فهموا أن لسان نشوان كان كالحجر الذي أُلقي في بئرٍ صافية، عكّر ماءها وأثار وحلها.

وفي اليوم التالي، اجتمع أهل القرية في بستان الشيخ أبي أيوب، الذي كان يقف بينهم بصحة وعافية. لم يذكر الشيخ ما حدث، لكن درسه كان بليغاً في صمته وعفوه. أما حارث، فجلس في مكانه المعتاد، صامتاً، وقد أدرك الجميع أن صمته لم يكن فراغاً، بل كان حصناً منيعاً يحمي من سيول الكلام الذي لا خير فيه.

لقراءة القصة في كتاب مصور. تفضل خلال هذا

  تقليب صفحات الكتاب المصور